السيد الطباطبائي

283

تفسير الميزان

واستحقار لما عملا به والمعنى ربنا تقبل منا هذا العمل اليسير انك أنت السميع لدعوتنا ، العليم بما نويناه في قلوبنا . قوله تعالى : ربنا واجعلنا مسلمين لك ، ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ، من البديهي أن الاسلام على ما تداول بيننا من لفظه ، ويتبادر إلى أذهاننا من معناه أول مراتب العبودية ، وبه يمتاز المنتحل من غيره ، وهو الاخذ بظاهر الاعتقادات والأعمال الدينية أعم من الايمان والنفاق ، وإبراهيم عليه السلام - وهو النبي الرسول أحد الخمسة أولي العزم ، صاحب الملة الحنيفية - أجل من أن يتصور في حقه أن لا يكون قد ناله إلى هذا الحين ، وكذا ابنه إسماعيل رسول الله وذبيحه ، أو يكونا قد نالاه ولكن لم يعلما بذلك ، أو يكونا علما بذلك وأرادا البقاء على ذلك ، وهما في ما هما فيه من القربى والزلفى ، والمقام مقام الدعوة عند بناء البيت المحرم ، وهما أعلم بمن يسألانه ، وأنه من هو ، وما شأنه ، على أن هذا الاسلام من الأمور الاختيارية التي يتعلق بها الأمر والنهي كما قال تعالى : ( إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ) البقرة - 131 ، ولا معنى لنسبة ما هو كذلك إلى الله سبحانه أو مسألة ما هو فعل اختياري للانسان من حيث هو كذلك من غير عناية يصح معها ذلك . فهذا الاسلام المسؤول غير ما هو المتداول المتبادر عندنا منه ، فإن الاسلام مراتب والدليل على أنه ذو مراتب قوله تعالى : ( إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت الآية ) حيث يأمرهم إبراهيم بالاسلام وقد كان مسلما ، فالمراد بهذا الاسلام المطلوب غير ما كان عنده من الاسلام الموجود ، ولهذا نظائر في القرآن . فهذا الاسلام هو الذي سنفسره من معناه ، وهو تمام العبودية وتسليم العبد كل ما له إلى ربه ، وهو إن كان معنى اختياريا للانسان من طريق مقدماته إلا أنه إذا أضيف إلى الانسان العادي وحاله القلبي المتعارف كان غير اختياري بمعنى كونه غير ممكن النيل له - وحاله حاله - كساير مقامات الولاية ومراحله العالية ، وكسائر معارج الكمال البعيدة عن حال الانسان المتعارف المتوسط الحال بواسطة مقدماته الشاقة ، ولهذا يمكن إن يعد أمرا إلهيا خارجا عن اختيار الانسان ، ويسئل من الله سبحانه أن يفيض به ، وأن يجعل الانسان متصفا به .